الثقة مشكلة مهنية: لماذا يحتاج عملك لرؤية أخلاقية؟

مايو 12, 2015بقلم د. فيليب ستايلس

بقلم د. فيليب ستايلس، محاضر أول في حوكمة المؤسسات، كلية جادج لإدارة الأعمال بجامعة كامبريدج

نعلم جميعاً أن الثقة عامل حيوي في نجاح أي عمل، وتوضح الأبحاث أن المؤسسات التي تحظى بالثقة تفوق في أدائها منافسيها التي تقل مستويات الثقة فيها. ولا تعتبر الثقة مجرد ميزة "من اللطيف اكتسابها"، بل هي عامل محوري في تحقيق الأداء العالي. لكن هل تعرف من تستطيع أن تثق فيه حقاً، وهل تعرف كيفية اكتساب ثقة الآخرين؟ إذا كانت الإجابة "نعم"، فأنت تمتلك الأساس اللازم لامتلاك نشاط تجاري عالي القدرة والأداء. الثقة محور رئيسي من محاور القيادة، فإذا ما أراد أحد القادة أن يُعطي توجيهات أو يضع رؤية أو يطلب تغييراً ما، يجب أولاً وقبل كل شيء أن يكون هذا القائد واثقاً من قراراته. ثم يتعين عليه أن يُقنع الآخرين (الموظفين والعملاء والمستثمرين والجهات التنظيمية والموردين والإعلام والحكومة) ليثقوا في صحة أفكاره وأفعاله. إن القيادة في جوهرها علاقة بين القائد وأصحاب المصلحة؛ وتقوم العلاقات الجيدة على تبادل المصالح وتشارك القيم ووضوح التواصل وهي القاعدة الأساسية لبناء الثقة.

ولا يعني هذا بالضرورة أن أفراد الفريق يجب أن يحبوا بعضهم البعض أو حتى تكون بينهم مودة، إذ أن العديد من العلاقات المثمرة تقوم على عدم التآلف بين أفراد الفريق. ولننظر على سبيل المثال إلى فرق شركات التقنية حيث نجد أن الكثيرين من أفراد هذه الفرق يتجادلون مع بعضهم بقوة وعدائية وبالكاد ما تكون بينهم علاقات اجتماعية فيما بينهم. غير أنهم يثقون في قدرة كل منهم على القيام بالعمل المطلوب منه، كما يثقون في بعضهم بما يكفي للتعبير عن آرائهم والنقاش بحماسة دون خوف أو تهديد بالانتقام. ويعتبر هذا الانفتاح بمثابة القوة الدافعة لأدائهم، لكن بدون الثقة فلن تكون هناك أية فرصة للنجاح.

ورغم صعوبة بناء الثقة، إلا أن فقدانها أمر سهل. وبالنسبة لي، يتمثل الدرس الأول الذي ينبغي تعلمه في فهم طبيعة الثقة وما تعنيه بالنسبة للأعمال والشركات في القرن الحادي والعشرين. هناك عادةً نوعان من الثقة، يتعلق الأول منهما بالمهام، أي هل تثق في قدرة الموظفين على القيام بمهامهم الوظيفية بفاعلية؟ وهذا نوع بسيط وواضح من الثقة ومن شأن اتباع عملية اختيار فعالة أن تضمن لك تعيين الموظف الذي يمكنك أن تثق في قدرته على إنجاز المهام التي توكل إليه.

غير أن النوع الثاني من الثقة أكثر غموضاً إذ يتعلق بمدى ثقتك في أن الأشخاص يعنون حقاً ما يقولونه؟ فهل لديك ثقة في زملائك وعملائك ومورديك لتكون صريحاً معهم وتتحدث إليهم وتتصرف معهم بأمانة؟ وهل تستطيع التأكد من أنهم لا يمتلكون أجندة سرية؟

نعيش اليوم في زمن تبدو فيه الثقة عملة نادرة أكثر من أي وقت مضى.  فمنذ الأزمة المالية، ومهما كان حجم ثقتنا فيمن نعمل معهم، فإن هذه الثقة الآن على أفضل الأحوال هشة وعلى أسوأها قد تلاشت تماماً.

لكن من الممكن أن يُعاد بناء الثقة، ومن الضروري إعادة بنائها. وتعتبر منطقة الخليج مثالاً جيداً لتأثير القيادة القائمة على العلاقات ومكاناً تعتبر فيه الثقة التي تُبنى بمرور الوقت من خلال التعامل المتكرر حجر الزاوية في ممارسات القيادة.

وهكذا فإن ما نراه اليوم حول العالم هو تحول من نموذج القيادة العمودية القائمة على السلطة والصلاحيات نحو زيادة مساحة استغلال قوة الثقة، بما يمنح أصوات أصحاب المصلحة تأثيراً أكبر. ويستلزم هذا التحرك التحلي بالمهارة والعناية وامتلاك رؤية أخلاقية قوية. وسوف أناقش جميع هذه القضايا في برنامج القيادة والثقة الذي تقدمه كلية جادج لإدارة الأعمال بجامعة كامبريدج لكبار الرؤساء التنفيذيين والمرتقب عقده في دبي في شهر مارس بالشراكة مع مبادرة بيرل.

لكن الثقة قيمة غير ملموسة وضمنية إلى حد بعيد ولا تظهر إلا عند طرح كل شيء على الملأ والكشف عن الافتراضات غير المعلنة. وإذا كانت شركتك مهتمة حقاً وصدقاً ببناء هذه الثقة في موظفيها وعملائها، يتعين عليك أن تعرف ما يفكر فيه الناس وتقبله. فإذا قال أحد المدراء التنفيذيين: "نحن جميعاً شركاء في هذا الأمر" وقال أحد نوابه "أخشى التعبير عن رأيي"، تكون عندئذٍ في ورطة.

وتستلزم الثقة بالطبع جُرأة من القائد لتطبيق هذا النوع من المراجعة الثقافية، فالمواجهة بالأخطاء والعيوب قد تكون صادمة وتخشى مؤسسات عديدة من أن تفتح على نفسها أبواباً يصعب إغلاقها. لكن المؤسسات التي تحقق نجاحات حقيقة هي تلك التي تسعى بصدق للمطابقة بين الخطب الرنانة وأرض الواقع. وحتى يحدث هذا، يلزم على الرئيس التنفيذي أن يقول: "أنا لا أتفق مع رأيك لكنني أقدره ولن أقوم بفصلك لأنك أفصحت عنه" وأن يقصد هذا القول حقاً.

وتتبنى المؤسسات بطبيعة تكوينها وجهة نظر تقضي بعدم الثقة في بعضها البعض. وترى نظرية العمل بأسلوب الوكالة أن الموظفين يعملون على خدمة مصالحهم الشخصية وأنه إذا لم تتم إدارتهم بشكل مناسب فسيقومون بالأمور الخاصة بهم لأن هذا آمن لهم من الثقة في أي شخص آخر. لكن الحقيقة أن معظم الناس يريدون أن يكونوا أعضاء فاعلين في خدمة شركاتهم، وتؤدي العلاقات القائمة على الثقة إلى تقليل المخاطر المؤسسية بشكل كبير.

ولهذا يغطي برنامج كلية جادج المكثف موضوعات الحوكمة المؤسسية والثقة، والقيادة في مقابل الإدارة، ويعلم الدارسين كيفية وضع وتنفيذ "خطة ثقة" عالية التأثير واستخدام الذكاء العاطفي في تطوير المهارات القيادية واستراتيجيات التواصل.

وفي ظل عالم تسارعت فيه عملية التواصل أكثر من أي وقت مضى وأصبح فيه من الضروري أن يتفاعل القادة مع ثقافات مختلفة وأن يتخذوا قرارات تمس هذه الثقافات، تساعد مجموعة المهارات هذه كبار المدراء التنفيذيين على تعلم كيفية اتخاذ قرارات الثقة السريعة "البناء السريع للثقة". وقد أدى الانهيار الكارثي للثقة في المصارف إلى بروز أفكار ومفاهيم تراكمية جديدة لحماية المتعاملين من المصارف. فمنذ الأزمة العالمية، لا يعرف المرء من يمكنه الوثوق به. وينبغي هنا الإشارة إلى أنه إذا تلاشت الثقة بين الجميع، سوف تتعثر الأعمال ويتباطأ نموها. وهكذا يتعين على شخص ما في مكان ما أن يتخذ القرار بمنح ثقته بشكل سريع وأن يكسر هذه الحلقة.

ولا تتعلق الثقة باتباع المدونات الأخلاقية فحسب، فهي تحقق أيضاً مزايا اقتصادية كبيرة. ويؤدي بناء هذه العلاقة بشكل صحيح إلى توليد الثقة وارتفاع مستويات الجودة والأداء. لقد صارت الثقة اليوم أكثر من أي وقت مضى القاعدة الأساسية الحقيقة لنجاح أية شركة.

اكتشف المزيد

برنامج القيادة والثقة هو برنامج لكبار المدراء التنفيذيين وقادة الأعمال من المؤسسات العاملة في منطقة الشرق الأوسط، علماً بأن المجتمع في الشرق الأوسط "الذي تزيد فيه مساحة التعاملات الإنسانية" يستخدم الثقة لتسهيل التعاملات التجارية بصورة أكثر فاعلية من المجتمع الغربي حيث تقل مساحة التعاملات الإنسانية وتحاط العمليات التجارية بقدر أكبر من الريبة والشك. اعرف المزيد وقم بالتسجيل

تفضل بزيارة صفحة الدكتور فيليب ستايلس على موقع الجامعة